صديق الحسيني القنوجي البخاري
459
فتح البيان في مقاصد القرآن
تأن في مزاولة الأمور ، وذلاقة في اللسان ، ومحبة في قلوب المؤمنين وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف ، وبه قال الزمخشري إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل لما قبله من أنه يزيد في الخلق ما يشاء . ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها أي ليس لك من الأمر شيء فما يأتيهم اللّه به من مطر ورزق ونعمة وصحة وأمن وعلم وحكمة إلى غير ذلك مما لا يحاط به لا يقدر أحد أن يمسكه . قال ابن عباس : ما يفتح اللّه للناس من باب توبة فلا ممسك لها ، هم يتوبون إن شاؤوا وإن أبوا ، وما أمسك من باب توبة فلا مرسل له من بعده ، وهم لا يتوبون ، واستعير الفتح للإطلاق والإرسال إيذانا بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون ، وأعزها منالا ، وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام كأنه قيل : أي رحمة كانت سماوية أو أرضية والعموم مفهوم من اسم الشرط ومن رحمة بيان لذلك العام من أي صنف هو وهو مما اجتزي فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط وتقديره من الرحمات ، ومن في موضع الحال ، وقيل : المعنى إن الرسل بعثوا رحمة للناس ، فلا يقدر على إرسالهم غير اللّه ، وقيل : هو الدعاء وقيل التوبة وقيل التوفيق والهداية ولا وجه لهذا التخصيص بل المعنى كل ما يفتحه اللّه للناس من خزائن رحمته فيشمل كل نعمة ينعم اللّه بها على خلقه . وَما يُمْسِكْ من ذلك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ أي لا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه والإمساك يتناول كل شيء يمنعه اللّه من نعمه فهو سبحانه المعطي المانع القابض الباسط لا معطي سواه ، ولا منعم غيره وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيما أمسك وفيما أرسل على مقتضى حكمته ، ثم أمر اللّه سبحانه عباده أن يتذكروا نعمه الفائضة عليهم التي لا تعد ولا تحصى ، كما قال : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قيل : الخطاب لأهل مكة ونعمة اللّه عليهم إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم ، وقيل : لجميع الناس ، ونعمة اللّه عليهم هي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد ، ورفع السماء بلا عماد ، وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه ، وزلفة لديه ، والزيادة في الخلق ، وفتح أبواب الرزق ، ومعنى هذا الذكر هو إرشادهم إلى الشكر لاستدامتها وطلب المزيد منها ، ليس المراد ذكرها باللسان فقط ، ولكن المراد ذكرها به وبالقلب ، أي لا تنسوها ، والنعمة هنا بمعنى الإنعام ، وعليه درج الجلال . وقيل : إنها بمعنى المنعم به ، ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ من زائدة مؤكدة أي لا خالق إلا اللّه سبحانه وهو